الشنقيطي

336

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقوله فيها لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، رد على إثبات النسب له سبحانه وتعالى . وقد جاء مثل هذا المعنى حينما سأل فرعون موسى عن ربه ، فقال له : وَما رَبُّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 23 ] . فجاء جوابه : قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ( 24 ) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ ( 25 ) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ( 26 ) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [ الشعراء : 24 - 27 ] . وكنت سمعت من الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه ، أن موجب قول فرعون عن موسى لمجنون ، لأنه سأله بما في قوله : قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 23 ] ، وما يسأل بها عن شرح الماهية فكان مقتضى السؤال بها أن يبين ماهية الرب سبحانه وتعالى ، من أي شيء هو ، كما يقال في جواب : ما الإنسان إنه حيوان ناطق . ولكن موسى عليه السلام أعرض عن سؤال فرعون لجهله عن حقيقة اللّه تعالى أو لتجاهله ، كما في قوله تعالى : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ [ النمل : 14 ] ، وأجابه عما يخصه ويلزمه الاعتراف به من أنه سبحانه رب السماوات والأرض وما بينهما ، لا ربوبية فرعون الكاذبة . ومثل ذلك في القرآن ، لما سألوا عن الأهلة ، ما بالها تبدو صغيرة ، ثم تكبر ؟ فهو سؤال عن حقيقة تغيرها ، فترك القرآن جوابهم على سؤالهم وأجابهم بما يلزمهم وينفعهم . وكذلك جواب الخليل عليه السلام للنمروذ حينما حاجّه في ربه إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [ البقرة : 258 ] . فذكره سبحانه بصفاته ، وفي هذه السورة لما سألوا عن حقيقة اللّه ونسبه جاء الجواب بصفاته ، لأن ما يسألون عنه إنما يكون في المخلوقات لا في الخالق سبحانه ، وفي الممكن لا في الواجب الوجود لذاته ، سبحان من لا يدرك كنهه غيره ، وصدق اللّه العظيم في قوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] ، يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ( 110 ) [ طه : 110 ] .